الجاحظ
149
الحيوان
وقال الكميت [ 1 ] : [ من المتقارب ] مشافر قرحى أكلن البريرا [ 2 ] وإذا قيل الأعلم ، علم أنّه البعير ، كما أنّه إذا قيل الأقرح علم أنّه الذّبّان ، قال الشاعر [ 3 ] : [ من الكامل ] ولأنت أطيش ، حين تغدو سادرا * حذر الطعان ، من القدوح الأقرح [ 4 ] يعني الذبّان لأنه أقرح ، ولأنّه أبدا يحكّ بإحدى ذراعيه على الأخرى كأنّه يقدح بعودي مرخ وعفار ، أو عرجون ، أو غير ذلك مما يقدح به . 760 - [ إغارة الشعراء على المعاني ] ولا يعلم في الأرض شاعر تقدّم في تشبيه مصيب تامّ ، وفي معنى غريب عجيب ، أو في معنى شريف كريم ، أو في بديع مخترع ، إلّا وكلّ من جاء من الشعراء من بعده أو معه ، إن هو لم يعد على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره ، فإنّه لا يدع أن يستعين بالمعنى ، ويجعل نفسه شريكا فيه ؛ كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم ، وأعاريض أشعارهم ، ولا يكون أحد منهم أحقّ بذلك المعنى من صاحبه . أو لعلّه أن يجحد أنّه سمع بذلك المعنى قطّ ، وقال إنّه خطر على بالي من غير سماع ، كما خطر على بال الأوّل . هذا إذا قرّعوه به . إلّا ما كان من عنترة في صفة الذباب ؛ فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض له أحد منهم . ولقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسّن القول ، فبلغ من استكراهه لذلك المعنى ، ومن اضطرابه فيه ، أنّه صار دليلا على سوء طبعه في الشعر . قال عنترة [ 5 ] : [ من الكامل ] جادت عليها كلّ عين ثرّة * فتركن كلّ حديقة كالدّرهم
--> [ 1 ] صدر البيت ( تشبّه في الهام آثارها ) ، وهو في ديوان الكميت 1 / 191 ، والبيان والتبيين 1 / 55 ، واللسان والتاج ( قرح ) ، والتهذيب 4 / 38 . [ 2 ] البرير : الأول من ثمر الأراك « القاموس : برر » . [ 3 ] البيت بلا نسبة في مجمع الأمثال 1 / 438 ، وجمهرة الأمثال 2 / 23 ، والمستقصى 1 / 230 ، والدرة الفاخرة 1 / 289 ، والأمثال للسدوسي 63 ، وثمار القلوب ( 724 ) ، وأساس البلاغة ( قدح ) . [ 4 ] السادر : الراكب رأسه « القاموس : سدر » ، القدوح : الذي يحك ذراعا بذراع « القاموس : قدح » . [ 5 ] الأبيات من معلقته في ديوانه 18 - 19 .